الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
201
نفحات الولاية
والجدير ذكره ما ورد شبيه هذه العبارة في الخطبة 87 بشأن القرآن في وصفه خلص عباد الله الذين جعلوه محوراً في حياتهم « فهو قائده وإمامه ، يحل حيث حل ثقله ، وينزل حيث كان منزله » . وهذا تأكيد آخر لحديث الثقلين . ثم تطرق عليه السلام إلى خصائص طائفة معينة من صحب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ليقتدي بها صحبه ، فقال عليه السلام : « لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ، فما أرى أحدا يشبههم منكم لقد كانوا يصبحون شعثا « 1 » غبراً » . « 2 » ثم قال في صفتهم الثانية : « وقد باتوا سجداً وقياماً ، يراوحون « 3 » بين جباههم وخدودهم « 4 » » . وقال أيضاً : « ويقفون على مثل الجمر « 5 » من ذكر معادهم » . نعم فقد شعروا بعظم العذاب الإلهي بكل كيانهم ، فلم يهدأ بالهم ويسكن روعهم : « كأنّ بين أعينهم ركب « 6 » المعزى « 7 » من طول سجودهم » ، فقد ذاقوا حلاوة العبودية ، فتراهم يطيلون سجودهم ، حتى بدت آثار السجود على جباههم . « إذا ذكر الله هملت « 8 » أعينهم حتى تبل جيوبهم » . فقد تنهمر دموعهم حياً لله تارة ، وخوفاً من العقاب وخشية الفراق تارة أخرى : « ومادوا « 9 » كما يميد الشجر يوم الريح العاصف ، خوفاً من العقاب ، ورجاءا للثواب » . والتشبيه بالشجر الذي يميد من جراء الريح العاصف ، هو تشبيه رائع ، وقد أشار عليه السلام إلى
--> ( 1 ) « لشعث » جمع « أشعث » وهو المغير الرأس وهى كناية عن الفقر أو الزهد . ( 2 ) غير جمع أغير بمعنى الغبار . ( 3 ) « يراوحون » من مادة « تراوح » القيام بالأعمال الواحد بعد الاخر . ( 4 ) « خدود » جمع « خد » طرفا الوجه . ( 5 ) « جمر » جمع « جمرة » قطعة من النار ، وتطلق الجمرة وجمعها جمرات . ( 6 ) « ركب » جمع « ركبة » موصل الساق من الرجل بالفخذ . ( 7 ) « معزى » و « معز » معروف . ( 8 ) « هملت » من مادة « همول » الجريان والنزول . ( 9 ) مادوا من مادة ميدان الحركة والاضطراب .